بسم الله الرحمن الرحيم
أيها الأحبة، قبل أن نتحدث عن الغدير، علينا أن نعرف من هو صاحب الغدير.
من هو علي بن أبي طالب عليه السلام؟
هل هو مجرد صحابي من صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله؟ أم قائد من قادة المسلمين؟ أم بطل من أبطال التاريخ؟
إن عليًا عليه السلام أكبر من أن يُختصر في لقب أو موقف أو معركة.
إنه ابن عم رسول الله صلى الله عليه وآله، وأقرب الناس إليه نسبًا، وربيب بيته الذي نشأ في كنفه منذ صغره، ففتح عينيه على أخلاق النبي وسمع منه الحكمة قبل أن يسمعها غيره، وتغذّى من معين علمه وهديه حتى أصبح باب مدينة علمه.
وهو أول من آمن برسالة الإسلام من الرجال، وأول من صلى خلف رسول الله صلى الله عليه وآله، فلم يعرف الشرك يومًا، ولم يسجد لصنم قط، بل كانت حياته كلها لله تعالى.
وهو الذي اختاره الله ليكون زوجًا لفاطمة الزهراء عليها السلام، سيدة نساء العالمين، وأبا الحسن والحسين عليهما السلام، ريحانتي رسول الله صلى الله عليه وآله.
وهو الذي قدّم نفسه فداءً للنبي ليلة الهجرة، فبات في فراشه مطمئنًا راضيًا، غير مبالٍ بما قد يواجهه من خطر، لتبقى رسالة الإسلام حيةً في الأرض.
وهو بطل بدر وأحد والخندق وخيبر، حتى أصبح اسمه مقرونًا بالشجاعة والبطولة والوفاء.
وهو من أهل الكساء الذين خصهم الله بالطهارة، وكان ممن جمعهم رسول الله صلى الله عليه وآله تحت العباءة المباركة وقال: «اللهم إن هؤلاء أهل بيتي».
فإذا كان هذا هو علي بن أبي طالب عليه السلام، فليس من المستغرب أن يختاره الله سبحانه وتعالى لمقامٍ عظيم في هذه الأمة.
ومن هنا نفهم عظمة يوم الغدير؛ فالغدير لم يكن مناسبة أراد فيها النبي صلى الله عليه وآله أن يعرّف الناس بفضل علي عليه السلام فحسب، ففضائل علي كانت معلومة للمسلمين، ومواقفه وجهاده وعلمه لم تكن خافية على أحد. وإنما كان الغدير إعلانًا لأمرٍ إلهي نزل به الوحي من السماء، وتكليفًا ربانيًا بلّغه رسول الله صلى الله عليه وآله للأمة امتثالًا لأمر الله تعالى.
ففي ذلك اليوم العظيم، وبعد حجة الوداع، جمع النبي المسلمين في غدير خم، ورفع يد أمير المؤمنين عليه السلام أمام الجموع ليبلّغ ما أُمر بتبليغه، وليعلن الولاية التي أرادها الله لعباده، ويقيم الحجة على الأمة إلى يوم القيامة.
فالغدير ليس مجرد حادثة تاريخية تُروى، بل هو ميثاق إلهي، وإعلان رباني، ومحطة مفصلية في تاريخ الإسلام، ارتبطت باسم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام؛ ذلك الإمام الذي جمع العلم والإيمان والطهارة والشجاعة والعدل، فكان أهلًا لهذا الاصطفاء الإلهي، ورمزًا خالدًا تهتدي بنوره الأجيال عبر العصور.
وفي ختام حديثنا، لا ينبغي أن يمر عيد الغدير علينا كذكرى نسمعها ثم ننساها، بل هو فرصة عظيمة للتقرب إلى الله تعالى وتجديد العهد بالولاية والاقتداء بأمير المؤمنين عليه السلام.
ومن أهم ما يُستحب اغتنامه في هذا اليوم المبارك:
• الإكثار من ذكر الله تعالى والصلاة على محمد وآل محمد.
• شكر الله سبحانه على نعمة الولاية والهداية، وسؤاله الثبات على طريق الحق.
• قراءة شيء من سيرة أمير المؤمنين عليه السلام والتأمل في علمه وعدله وزهده وأخلاقه.
• إدخال السرور على قلوب الأهل والأرحام والأصدقاء، فالغدير يوم فرح وسرور للمؤمنين.
• التصدق على الفقراء والمحتاجين، وقضاء حوائج الناس ما أمكن، اقتداءً بسيرة الإمام علي عليه السلام في خدمة الخلق.
• السعي للإصلاح بين المتخاصمين وصلة الأرحام والعفو عمن أساء إلينا.
• أن يجعل كل واحد منا هذا اليوم محطةً لمحاسبة نفسه، فيسأل: ما مقدار اقتدائي بأمير المؤمنين في صلاتي وصدقي وأمانتي وأخلاقي؟
أيها الأحبة، إن الغدير ليس يومًا للاحتفال فحسب، بل يومٌ لتجديد العهد مع الله تعالى على التمسك بالحق والسير على نهج أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، فطوبى لمن أحيا هذا اليوم بالمعرفة والعمل والطاعة، وجعله بدايةً لخطوةٍ أقرب إلى الله وأهل بيت نبيه عليهم السلام.


عن الحسن بن راشد عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) : قلت : جعلت فداك للمسلمين عيد غير العيدين ؟ قال : نعم يا حسن ، أعظمهما وأشرفهما ، قلت : وأي يوم هو ؟ قال : هو يوم نصب أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه فيه علما للناس ، قلت : جعلت فداك وما ينبغي لنا أن نصنع فيه ؟ قال : تصومه يا حسن ، وتكثر الصلاة على محمد وآله ، وتبرأ إلى الله ممن ظلمهم ؛ فإن الأنبياء صلوات الله عليهم كانت تأمر الأوصياء باليوم الذي كان يقام فيه الوصي أن يتخذ عيدا . قال : قلت : فما لمن صامه ؟ قال : صيام ستين شهرا
الكافي : 4 - 148 - 1
الحمدلله الذي جمعنا على حب أمير المؤمنين🌱