: الإمام الحسين عليه السلام
مع اقتراب شهر محرم الحرام، سأبدأ خلال الأيام العشرة التي تسبقه بنشر سلسلة مختصرة عن أبرز شخصيات واقعة الطف، لنتعرف على سيرتهم وحياتهم ومواقفهم العظيمة، فمعرفة أصحاب هذه النهضة تزيد الإنسان بصيرةً وإيمانًا، وتجعله يعيش أحداث كربلاء بفهمٍ أعمق لا بمجرد سماعها.
وأول شخصية نبدأ بها هي أهم شخصية في هذه القضية، بل هي محور نهضة كربلاء كلها، وهو الإمام الحسين بن علي عليه السلام.
هو الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب عليه السلام، ابن أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام، وابن السيدة فاطمة الزهراء عليها السلام بنت رسول الله صلى الله عليه وآله، وجدّه هو خاتم الأنبياء والمرسلين محمد صلى الله عليه وآله.
نشأ الإمام الحسين عليه السلام في أطهر بيت عرفته الإنسانية، بيت النبوة والإمامة، وتربّى منذ نعومة أظفاره في حضن رسول الله صلى الله عليه وآله وأبيه وأمه، وهم جميعًا حجج الله على خلقه عند مدرسة أهل البيت عليهم السلام.
وأخوه هو الإمام الحسن المجتبى عليه السلام، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله فيهما:
«الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا»،
كما أن الإمام الحسين عليه السلام هو خامس أصحاب الكساء، وهو سيد الشهداء الذي بقي اسمه خالدًا في وجدان المؤمنين عبر القرون.
وُلد الإمام الحسين عليه السلام في المدينة المنورة، وعاش طفولته في كنف جده رسول الله صلى الله عليه وآله، فنهل من أخلاقه وعلمه ورحمته، حتى أصبح إمام زمانه وقدوةً للأمة في الثبات على الحق.
ولو أردنا الحديث عن سيرته المباركة لاحتجنا إلى كتبٍ ومجلدات، لذلك نكتفي في هذه السلسلة بملخصٍ مختصر، ويمكن لمن أراد التوسع أن يرجع إلى المصادر الموثوقة لمعرفة تفاصيل ولادته ونشأته وحياته.
سبب نهضة الإمام الحسين عليه السلام
لم يخرج الإمام الحسين عليه السلام طلبًا للدنيا، ولا رغبةً في ملك أو سلطان، وإنما خرج رفضًا للظلم والطغيان والفساد، وسعيًا للإصلاح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
فقد رفض مبايعة يزيد بن معاوية، لأنه رأى أن قيادة الأمة لا تليق بمن يخالف تعاليم الإسلام ويجاهر بالفسق، وكان الإمام عليه السلام إمام زمانه، والناس تقتدي به، لذلك كان من واجبه أن يقف موقف الحق وألا يمنح الشرعية للباطل مهما كانت النتائج.
بداية نهضة كربلاء
بعد رفضه البيعة، خرج الإمام الحسين عليه السلام من المدينة المنورة متوجهًا إلى مكة المكرمة، وكانت مكة آنذاك مقصد المسلمين من مختلف البلدان، فكان يبين للناس أهداف نهضته ويدعو إلى الإصلاح وإحياء قيم الإسلام.
وفي تلك الفترة وصلته رسائل كثيرة من أهل الكوفة يطلبون منه القدوم ويعلنون استعدادهم لنصرته والوقوف معه في مواجهة الظلم والفساد، فكانت هذه الرسائل حجةً عليهم، ولم يتوجه الإمام إلى العراق إلا بعد أن لبّى نداءهم وأرسل ابن عمه مسلم بن عقيل للتحقق من الأمر.
وكان خروج الإمام الحسين عليه السلام منظمًا ومدروسًا، ولم يكن حركةً عشوائية أو طلبًا للسلطة، بل نهضةً تحمل رسالة إصلاح للأمة وحفظًا لدين جده رسول الله صلى الله عليه وآله.
ماذا جرى في كربلاء؟
وصل الإمام الحسين عليه السلام إلى العراق، وبكربلاء حوصر مع أهل بيته وأصحابه، ومُنعوا من الماء أيامًا حتى اشتد عليهم العطش.
وفي اليوم العاشر من شهر محرم سنة 61 للهجرة، بدأت المعركة بعد أن قدم أصحاب الإمام وأهل بيته أروع صور الوفاء والتضحية، فاستشهدوا واحدًا بعد آخر وهم ثابتون على مواقفهم.
ثم استشهد الإمام الحسين عليه السلام بعدما قدّم أعظم مثال للفداء والثبات على الحق، وتعرض جسده الشريف بعد ذلك إلى الاعتداء، وسُبيت نساء أهل بيته وأُخذ الأطفال والأسرى، لتبدأ مرحلة أخرى كان لها دور كبير في إيصال رسالة كربلاء إلى الأمة.
هل خسر الإمام الحسين عليه السلام؟
قد يتصور بعض الناس أن الإمام الحسين عليه السلام هُزم لأنه استشهد، لكن الحقيقة أن أعداءه تمكنوا من قتل الجسد ولم يستطيعوا قتل الفكرة، وتمكنوا من إراقة الدم ولم يستطيعوا إطفاء نور النهضة.
ولو كانت كربلاء هزيمة لانتهى ذكرها بانتهاء يوم عاشوراء، لكنها بقيت حيةً بعد أكثر من ألف عام، لأن انتصار الإمام الحسين عليه السلام كان انتصارًا للمبدأ والحق والكرامة، لا انتصارًا عسكريًا فحسب.
وكل شخص في كربلاء كان له دور
إن واقعة كربلاء ليست قصة رجل واحد، بل هي مدرسة عظيمة شارك فيها الرجال والنساء والأطفال، وكان لكل واحد منهم دور في حفظ رسالة النهضة.
فمنهم من جاهد بالسيف، ومنهم من ثبت على الموقف، ومنهم من حمل الرسالة بعد الواقعة ونقل حقيقتها للأجيال، حتى إن الطفل الصغير كان جزءًا من هذه الملحمة التي خلدها التاريخ.
ولهذا فإن دراسة شخصيات كربلاء ليست مجرد قراءة في التاريخ، وإنما هي تعرف على نماذج صنعت مدرسة في الإيمان والصبر والتضحية والثبات على المبادئ.
ماذا نتعلم من الإمام الحسين عليه السلام؟
1. التمسك بالحق مهما كان الثمن غاليًا.
2. تقديم المبادئ والقيم على المصالح الشخصية.
3. الصبر والإيمان بالله في أشد الظروف.
4. نصرة المظلوم والدفاع عن العدل والكرامة.
5. أن بقاء الفكرة أعظم من بقاء الجسد، وأن المبادئ الصادقة لا تموت.
وهذه ليست إلا لمحةً يسيرة عن سيد الشهداء عليه السلام، وفي الأيام القادمة سننتقل إلى شخصية أخرى من شخصيات واقعة الطف، لنتعرف على سيرتهم ودروسهم الخالدة، سائلين الله أن يرزقنا معرفتهم والاقتداء بهم.


نويت كتابة سلسلة مقالات تتضمن سرد قصص اصحاب الإمام الحسين الذين فدوا ريحانة نبيهم بأنفسهم وعيالهم، ادعيلي يا نورة بالتوفيق لنشر سيرتهم العطر، اسأل الله ان يوفقكِ لما يحبُ ويرضى.
الله يوفقك في إكمال هذه السلسلة بأحسن وجه، أن شاء الله يجلها دخر لكِ يوم القيامة🤍