السخرية والاستهزاء من الأخلاق الذميمة التي تتمثل في محاكاة أقوال الآخرين أو أفعالهم أو صفاتهم، بالإشارة أو التلميح أو التصريح، على نحوٍ يبعث على الضحك ويكون فيه انتقاصٌ من كرامتهم. وينشأ هذا السلوك غالبًا عن العداء، أو الكِبر، أو احتقار الآخرين، وقد يكون الباعث عليه مجرد إضحاك الناس والتكسب برضاهم أو تحقيق منفعةٍ دنيوية زائلة.
ولا ريب أن هذا الخلق لا يصدر إلا ممن ضعف دينه، وقلَّت مروءته، وذلَّت نفسه، إذ لا يجتمع الاستهزاء بالناس مع كمال الإيمان وحسن الخلق والإنسانية.
وقد عدَّ الله تعالى الاستهزاء في بعض المواضع من مظاهر الجهل، كما في قوله سبحانه: ﴿قالوا أتتخذنا هزواً قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين﴾، فقرن السخرية بالجهل وسوء الأدب.
كما شددت الشريعة الإسلامية على ذم المستهزئين، وحذرت من سوء عاقبتهم في الدنيا والآخرة. قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قومٌ من قومٍ عسى أن يكونوا خيرًا منهم﴾، ففي الآية نهيٌ صريح عن السخرية بالآخرين؛ لأن ميزان التفاضل الحقيقي عند الله هو التقوى، لا المظاهر والأحوال.
وروي عن ابن عباس في تفسير قوله تعالى: ﴿يا ويلتنا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرةً ولا كبيرةً إلا أحصاها﴾ أن الصغيرة هي التبسم استهزاءً بالمؤمن، والكبيرة هي القهقهة بذلك، وفي هذا إشارة إلى أن الاستهانة بالناس والضحك عليهم ليست بالأمر الهيّن، بل هي من الذنوب التي تُحصى على الإنسان ويُحاسب عليها.
أما الاستهزاء بآيات الله تعالى ورسله عليهم السلام، فهو أعظم خطرًا، وقد عدَّه القرآن الكريم من مظاهر الكفر، قال سبحانه: ﴿كذبوا بآيات الله وكانوا بها يستهزئون﴾، وقال عز وجل: ﴿ولقد استهزئ برسلٍ من قبلك فأمليت للذين كفروا ثم أخذتهم فكيف كان عقاب﴾.
وجاء في الحديث عن رسول الله ﷺ وآله: «إن المستهزئين بالناس يُفتح لأحدهم بابٌ من الجنة، فيقال له: هلمَّ هلمَّ، فيأتي بكربه وغمه، فإذا وصل أُغلق دونه، ثم يُفتح له بابٌ آخر، فيقال له: هلمَّ هلمَّ، فيأتي، فإذا وصل أُغلق دونه، فلا يزال كذلك حتى لا يأتيه.» وهذا من جنس الجزاء من جنس العمل، إذ يُعامل يوم القيامة بصورةٍ تشبه استهزاءه بالناس في الدنيا، جزاءً وفاقًا.
فلنحفظ ألسنتنا وأقلامنا من كل ما يجرح كرامة الآخرين، ولنجعل كلماتنا سببًا في بث الاحترام والمودة لا في نشر السخرية والإهانة. فما يخرج من الإنسان يعكس حقيقة أخلاقه، وأجمل الناس من زيّن حديثه بالأدب، وتعامل مع الخلق برحمةٍ وتواضع، راجيًا بذلك رضا الله تعالى وحسن العاقبة.

