إنّ من المؤسف أنّنا في هذه الأيام نشهد انتشار ظاهرةٍ خطيرة، وهي التهاون في صلة الرحم، حتى أصبح بعض الناس يفتخر بقطع علاقته بأقاربه، ويعدّ ذلك قوةً أو كرامة، مع أنّه في ميزان الإسلام من كبائر الذنوب وأقبح المعاصي.
ولو تأملنا في واقعنا لرأينا آثار هذه الظاهرة بوضوح؛ فكم من أخٍ لا يكلّم أخاه منذ سنوات، وكم من أختٍ هجرت أختها بسبب خلافٍ كان يمكن أن يُحلّ بكلمة طيبة أو اعتذار صادق. والأسوأ من ذلك أنّ هذه القطيعة لا تقف عند أصحابها، بل تنتقل إلى الأبناء، فينشأ جيلٌ يحمل عداواتٍ لم يصنعها بنفسه، ثم يورثها لمن بعده، حتى تصبح القطيعة إرثًا تتناقله الأجيال.
وقد حذّر الله سبحانه وتعالى من هذا الذنب العظيم، فقال:
﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَىٰ أَبْصَارَهُمْ﴾.
كما ورد عن أمير المؤمنين الإمام علي (عليه السلام):
> «أقبحُ المعاصي قطيعةُ الرحمِ والعقوق.»
غرر الحكم ودرر الكلم، ص 209.
وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله):
> «لا تقطع رحمك وإن قطعك.»
فهذه النصوص المباركة تدلّ بوضوح على أنّ صلة الرحم ليست أمرًا مستحبًا فحسب، بل هي من أعظم الواجبات الأخلاقية والدينية، وأنّ قطيعتها من أشدّ المحرمات.
وفي المقابل، بيّن أهل البيت (عليهم السلام) ما لصلة الرحم من آثار عظيمة في الدنيا قبل الآخرة. فقد قال الإمام الصادق (عليه السلام):
> «صلة الرحم وحسن الجوار يعمران الديار، ويزيدان في الأعمار.»
وهذا ما يرجوه كل إنسان؛ فصلة الرحم سببٌ لبركة العمر وطوله، وسعة الرزق، ودفع البلاء، وتطهير القلوب من الحقد والضغينة، ونشر المودة والألفة، وبناء مجتمعٍ متماسك يسوده الاحترام والمحبة والتعاون.
فلنحرص – ما استطعنا – على وصل أرحامنا، ولو بأبسط الوسائل. فإن تعذرت الزيارة، فهناك رسالة، أو اتصال، أو سلام، أو سؤال عن الأحوال. وفي زمننا هذا أصبحت وسائل التواصل تقرّب البعيد، فلا ينبغي أن تكون المسافات عذرًا للقطيعة.
ثم لنسأل أنفسنا: ماذا نجني من الخصام والهجران سوى الغربة، ووحشة القلوب، وتفكك الأسر؟
أليس من أجمل نعم الله أن تجتمع العائلة على المحبة، وأن يمتلئ البيت ببركة الضيوف، وأن يزور الإنسان رحمه ويُزار، وأن يشعر بالألفة والطمأنينة بين أهله وأقاربه؟
وحين نلتقي بالناس، فلا يكن لقاؤنا حضورًا جسديًا فقط، بل ليكن مقرونًا بالبشاشة وحسن الخلق. تبسّم في وجوههم، وأحسن إلى الكبير والصغير، واجتنب الفحش في القول، واحفظ أعراض الناس، ولا تنقل أسرار بيوتهم أو أحاديث مجالسهم؛ فإن نبينا محمدًا (صلى الله عليه وآله) كان أمينًا، فجديرٌ بنا أن نقتدي بأمانته وأخلاقه.
فلنجعل صلة الرحم منهجًا لحياتنا، لا موسمًا عابرًا، ولنعلم أنّ كل خطوةٍ نخطوها نحو الإصلاح والتسامح هي خطوةٌ يباركها الله، ويكتب بها خير الدنيا والآخرة.
نسأل الله أن يؤلف بين القلوب، ويصلح ذات بين المسلمين، ويجعلنا من الواصلين لأرحامهم، العاملين بأخلاق محمدٍ وآل محمد (عليهم أفضل الصلاة والسلام).
أسألكم الدعاء.
