أصحاب الإمام الحسين عليه السلام... قممٌ لا تُدرك
حين يُذكر أصحاب الإمام الحسين عليه السلام، فإننا لا نتحدث عن رجالٍ عاديين شاركوا في معركة ثم انتهى أمرهم، بل نتحدث عن قممٍ إنسانية وإيمانية لم يعرف التاريخ لها نظيراً. كانوا رجالاً تجاوزوا حدود المألوف، حتى استحقوا أن يُخلّدهم التاريخ وتبقى مواقفهم نبراساً للأمم والأجيال إلى قيام الساعة.
لقد امتلك هؤلاء الصفوة وعياً عميقاً، وبصيرةً نافذةً في الدين والشريعة، فلم ينخدعوا بزخارف الدنيا، ولم تهزّهم كثرة الأعداء ولا قلة الناصر. كانوا يعرفون إمام زمانهم حق المعرفة، فاختاروا الوقوف معه عن يقينٍ وإيمان، لا عن عاطفةٍ مؤقتة أو اندفاعٍ عابر. ولم يكن خروجهم طمعاً بمال، أو طلباً لمنصب، أو سعياً إلى جاه، وإنما كان همّهم الأكبر رضا الله تعالى، واتباع رسوله، ونصرة إمامهم المفترض الطاعة.
وفي يوم عاشوراء تجلّت أعظم صور الثبات والإخلاص. فعلى الرغم من العطش الذي أنهك الأجساد، وحرارة الشمس اللاهبة، والحصار من جميع الجهات، وكثرة الجراح والآلام، لم يتراجعوا عن موقفهم طرفة عين، ولم يعرف الخوف أو اليأس طريقاً إلى قلوبهم. بل كانوا يزدادون عزيمةً كلما اشتدت المحنة، وكأنهم يرون ما وعدهم الله من النعيم رأي العين.
وقد جسّد كل واحدٍ منهم موقفاً خالداً يعلّم الإنسانية معنى الوفاء. فهذا همه أن تُقام الصلاة خلف سيد الشهداء حتى في قلب المعركة، وآخر يتلقى السهام بصدره ليحمي الإمام الحسين عليه السلام، وآخر يفدي بنفسه دون أن يتردد لحظة. وكان فيهم الشيخ الكبير، والشاب، والعبد المولى، وكلهم وقفوا في صفٍ واحد، لا يفرقهم نسب ولا مكانة، وإنما جمعهم الإيمان والولاء الصادق.
لقد بلغ أصحاب الحسين عليه السلام أعلى مراتب الكمال والإخلاص والتضحية، حتى صاروا مدرسةً متكاملةً في الصبر، والثبات، واليقين، والطاعة، والوفاء. ومن يتأمل سيرتهم يدرك أن عظمتهم لم تكن في شجاعتهم العسكرية فحسب، بل في نقاء نياتهم، وصفاء قلوبهم، وصدق ارتباطهم بالله تعالى وإمام زمانهم.
ولذلك، فإن واجبنا لا يقتصر على تذكر بطولاتهم في ليلةٍ من ليالي محرم أو في موسم العزاء فحسب، بل أن نحمل قيمهم معنا في كل يوم من حياتنا؛ فنقتدي بإخلاصهم، ونتمسك ببصيرتهم، ونحفظ صلاتنا، ونؤدي الأمانة، ونثبت على الحق مهما كثرت الفتن، ونجعل رضا الله فوق كل اعتبار. فهذه هي الرسالة الحقيقية التي تركها لنا أصحاب الحسين عليه السلام.
فهنيئاً لهم بما صبروا واحتسبوا، وهنيئاً لهم هذا المقام العظيم الذي نالوه عند الله ورسوله وأوليائه. ونسأل الله تعالى أن يرزقنا معرفتهم، والسير على نهجهم، والثبات على ولاية أهل البيت عليهم السلام، وأن يجعلنا ممن يصدق في قوله: «يا ليتنا كنا معكم، فنفوز فوزاً عظيماً».
