لم يكن مسلم بن عقيل رجلاً عادياً في تاريخ الإسلام، بل كان شخصيةً اصطفاها الإمام الحسين (عليه السلام) لمهمةٍ لا يحملها إلا أصحاب البصائر والقلوب الثابتة. فحين أراد الإمام أن يختبر صدق أهل الكوفة، لم يبعث إلا أقرب الناس إليه نسباً، وأعظمهم منزلةً عنده، فوصفه بقوله: «وقد بعثتُ إليكم أخي وابن عمي وثقتي من أهل بيتي مسلم بن عقيل». ولم يكن لقب «ثقة الحسين» لقباً عابراً، بل شهادةً خالدة من الإمام بعظيم أمانته وإخلاصه.
دخل مسلم الكوفة يحمل رسالة الإصلاح، لا يطلب سلطاناً ولا جاهاً، وإنما يدعو الناس إلى نصرة إمام زمانهم. فاجتمع عليه الآلاف، ثم ما لبثت الدنيا أن غيّرت وجوه كثيرٍ منهم، فتفرقوا عنه تحت وطأة الترهيب والطمع، حتى بقي وحيداً غريباً في مدينةٍ كانت قد ملأت الدنيا بكتبها ورسائلها.
ومع ذلك، لم يتراجع مسلم، ولم يساوم على مبادئه، ولم يبدّل موقفه. وقف شامخاً أمام الظلم، وقاتل بثبات المؤمن، حتى أُسر، ثم مضى إلى الشهادة ثابت الجنان، راضي النفس، محتسباً أمره لله. وكانت وصيته الأخيرة شاهدةً على وفائه؛ إذ لم يكن همه نفسه، بل كان همه أن يبلغ الإمام الحسين (عليه السلام) بما جرى في الكوفة، حفاظاً على الرسالة وأهلها.
لقد علّمنا مسلم بن عقيل أن الوفاء لا يُقاس بكثرة الأنصار، وإنما بصدق الثبات عند الشدائد. وأن المؤمن الحقيقي يبقى متمسكاً بإمامه، وإن خذله الناس جميعاً. فكان أول شهداء نهضة الإمام الحسين (عليه السلام)، ومهّد بدمه الطريق لكربلاء، ليبقى اسمه منارةً لكل من أراد أن يسير على درب الحق.
السلام على ثقة الحسين، وسفيره الأمين، وبطل الوفاء والإيمان، مسلم بن عقيل، يوم وُلد، ويوم استُشهد، ويوم يُبعث حياً.

