لم تكن نهضة الإمام الحسين عليه السلام حادثةً تاريخيةً عابرة، ولا ثورةً قامت لأجل سلطة أو جاه، وإنما كانت مشروعًا إلهيًا متكاملًا لإحياء القيم التي جاء بها الإسلام، وإنقاذ الإنسان من الانحراف والظلم والعبودية لغير الله. ولهذا بقيت ثورته حيّةً في ضمير الإنسانية، تتجدد مع كل عصر، وتمنح الأحرار دروسًا لا تنقضي.
ومن أعظم القيم التي جسّدها الإمام الحسين عليه السلام قيمة الحرية. فقد عاش الناس في ظل حكم بني أمية تحت وطأة الاستبداد، حتى أصبح الإنسان فاقدًا لكرامته، يُعامل وكأنه عبدٌ للطغاة، لا يملك رأيًا ولا إرادة، ولا تُصان له حرمة ولا كرامة. فجاء الإمام الحسين عليه السلام ليعلن أن الإنسان خُلق حرًا، وأنه لا ينبغي أن يخضع إلا لله سبحانه وتعالى، فصدح بكلمته الخالدة التي أصبحت شعارًا لكل الأحرار: «هيهات منا الذلة». لقد قدّم الإمام أرقى مفهومٍ للحرية، وهي الحرية التي تحفظ الدين والكرامة والحق، لا الحرية المنفلتة من القيم والأخلاق.
ومن القيم العظيمة التي أرساها الإمام الحسين عليه السلام المساواة بين الناس، وهي قيمةٌ لا تزال كثيرٌ من الأمم ترفعها شعارًا في قوانينها، لكنها تعجز عن تطبيقها تطبيقًا كاملًا. أما في مدرسة كربلاء، فقد تجلت المساواة بأسمى صورها؛ فلم يكن هناك فرقٌ بين غني وفقير، ولا بين عربي وأعجمي، ولا بين أسود وأبيض، ولا بين رجل وامرأة، ولا بين شيخ وشاب أو طفل.
فقد منح الإمام لكل إنسان مكانته وقيمته، فكان يعتني بالأطفال كما يعتني بالكبار، ويكرم النساء ويصون منزلتهن، ويجلّ الشباب والشيوخ، ولم ينظر إلى الناس بأموالهم أو أنسابهم، وإنما نظر إلى إيمانهم وصدقهم. بل إن الحر بن يزيد الرياحي، الذي جاء أولًا في صف أعدائه، لما تاب ورجع إلى الحق، احتضنه الإمام وقبله وأكرمه، ليقدم للعالم درسًا خالدًا في الرحمة، وأن باب التوبة مفتوح لكل من عاد إلى الله بصدق.
وكان الإمام الحسين عليه السلام صاحب أخلاقٍ سامية مع الجميع، فلم يعرف التمييز بين الناس، وكان يعامل من حوله بالرحمة والاحترام، حتى خدمه ومواليه كانوا يحظون منه بعنايةٍ ومحبة، وكأنهم أفرادٌ من أسرته. إنها مدرسةٌ لا تعرف العنصرية ولا الطبقية، بل ترى أن كرامة الإنسان مستمدةٌ من إنسانيته وتقواه.
ومن أعظم الدروس التي قدمتها كربلاء العبادة والمحافظة على الصلاة. فقد أحاطت بالإمام الحسين عليه السلام أصعب الظروف؛ حربٌ، وعطشٌ، وجوعٌ، وحصارٌ، وهمٌّ على عياله، وخوفٌ على دين جده رسول الله صلى الله عليه وآله، ومع ذلك لم تشغله تلك المصائب عن الوقوف بين يدي الله. فأحيا ليلة عاشوراء بالصلاة، وتلاوة القرآن، والدعاء، والاستغفار، حتى أصبحت تلك الليلة من أعظم ليالي العبادة في تاريخ الإسلام. ثم لما حان وقت الصلاة يوم عاشوراء، أقامها تحت وابل السهام، ليعلم الأجيال أن الصلاة هي عمود الدين، وأنها لا تُترك مهما اشتدت المحن.
ولم تقتصر مدرسة الحسين عليه السلام على هذه القيم، بل جسدت الوفاء والإخلاص في أروع صوره، كما ظهر في وفاء أبي الفضل العباس عليه السلام لأخيه وإمامه، وفي صبر السيدة زينب عليها السلام وثباتها، وفي محبة الإمام لأولاده، وعلاقته بعلي الأكبر، وحنانه على رقية وسكينة، ورحمته بأهل بيته جميعًا، فكانت كربلاء مدرسةً للأسرة الصالحة، والأخوة الصادقة، والأبوة الرحيمة، والتضحية من أجل الدين.
إن رسالة الإمام الحسين عليه السلام ليست خاصةً بزمنٍ معين، بل هي رسالةٌ خالدة تعبر الأجيال، وتتجدد في كل عصر، لأنها تحمل حلولًا لكل ما يحتاجه الإنسان في حياته؛ في أخلاقه، وعبادته، وعلاقاته، ومواقفه، وعدالته، وكرامته.
ولهذا فإن إحياء عاشوراء لا يقتصر على لبس السواد، أو حضور المجالس، أو البكاء، أو توزيع الطعام والثوابات، مع أن هذه الشعائر عظيمة الشأن ولها فضلٌ كبير في إحياء أمر أهل البيت عليهم السلام، ولكن الغاية الأسمى منها أن تُثمر تغييرًا في السلوك، وأن نجعل من الإمام الحسين عليه السلام قدوةً في عبادتنا، وأخلاقنا، ووفائنا، وعدلنا، وحريتنا، وتعاملنا مع الناس.
فكلما أقبل شهر محرم، تجددت ثورة الحسين عليه السلام في القلوب، وتجددت معها الدعوة إلى الإصلاح، وإحياء القيم، والتمسك بالحق، لأن كربلاء ليست ذكرى تُروى فحسب، بل مدرسةٌ متكاملةٌ للحياة، ومنهجٌ خالدٌ يبني الإنسان والمجتمع في كل زمان ومكان.
اللهم اجعلنا من السائرين على نهج الإمام الحسين عليه السلام، العاملين بقيمه، المتمسكين بحريته وكرامته وعدالته، المحافظين على الصلاة، المتخلقين بأخلاقه، المقتدين بوفائه وصبره وإخلاصه، وأحيِ في قلوبنا رسالته ما أحييتنا، واحشرنا في زمرته، وارزقنا شفاعته، وثبتنا على دين محمد وآل محمد حتى نلقاك وأنت راضٍ عنا.


الحمدلله على ولاية أل محمد
♥️♥️