حين يُذكر الإمام الحسين (عليه السلام)، لا يُذكر اسم رجلٍ خرج يطلب سلطانًا، ولا قائدٍ أراد أن يبني ملكًا، بل يُذكر إمامٌ نهض ليُعيد للأمة وجهها الحقيقي، وليُحيي معالم الدين بعدما أوشكت أن تُطمس. ولعل أصدق ما عبّر به عن هدف نهضته قوله: «إني لم أخرج أشِرًا ولا بطرًا، ولا مفسدًا ولا ظالمًا، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي رسول الله، أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، وأسير بسيرة جدي وأبي علي بن أبي طالب».
لم يكن المال يومًا غايةً للحسين، وكيف يكون كذلك وهو من بيتٍ تربّى على الزهد والعطاء؟! بيتٌ كان يُطعم الطعام على حبه، ويؤثر المحتاج على نفسه، فلا يعرف الطمع ولا يجعل الدنيا أكبر همّه. وكذلك لم يكن طالبَ جاهٍ أو منزلة؛ فالحسين هو ابن رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وابن أمير المؤمنين، وابن فاطمة الزهراء سيدة نساء العالمين، وأخو الإمام الحسن المجتبى. أيُّ جاهٍ يفتقده من جمع الله له شرف النبوة والإمامة والطهارة؟!
لقد خرج الإمام الحسين لأن السكوت على الباطل يُميت الدين، ولأن الأمة إذا رضيت بالانحراف، ضاعت فيها معالم الحق، واختلط المعروف بالمنكر. فكانت نهضته صرخةً خالدة في وجه الظلم، لتبقى رسالةً لكل زمان: أن الحق لا يُقاس بالكثرة، وأن المؤمن لا يبيع دينه من أجل دنيا زائلة.
ولذلك بقي اسم الحسين خالدًا عبر القرون، رغم كل المحاولات التي أرادت طمس ذكره وإخماد ثورته. سقطت دول، وزالت عروش، وانقرض الظالمون، وبقي الحسين حيًا في القلوب، تُرفع رايته، وتُحيى ذكراه، ويزداد أتباعه عامًا بعد عام. إنها ثورةٌ حفظها الله لأنها ثورةٌ قامت لله، وما كان لله لا يزول.
إن كربلاء ليست حادثةً تاريخيةً نقرأها ثم نغلق صفحاتها، بل هي مدرسةٌ متكاملة في العقيدة، والأخلاق، والوفاء، والصبر، والتضحية. ففيها نتعلم معنى الثبات من أصحاب الحسين، ومعنى الوفاء من أبي الفضل العباس، ومعنى الصبر من السيدة زينب، وحتى الطفل الرضيع، علي الأصغر، أصبح درسًا خالدًا يكشف قسوة الباطل، ويُظهر إلى أي حدٍ يمكن أن يبلغ الإنسان إذا استولى الهوى على قلبه وغابت عنه الرحمة.
وتكشف لنا كربلاء حقيقةً خطيرة؛ وهي أن الانحراف لا يبدأ دائمًا بجريمةٍ عظيمة، بل قد يبدأ بالتهاون في المعاصي، أو بالسكوت عن الباطل، أو بتقديم الدنيا على طاعة الله، حتى تتراكم الذنوب، وتُظلم البصيرة، ويقسو القلب، فيصبح الإنسان مستعدًا لارتكاب أعظم الجرائم وهو يظن أنه على حق. ومن هنا ينبغي للمؤمن ألّا يستهين بذنبٍ صغير، فإن المعصية إذا لم تُقابل بالتوبة والمجاهدة قد تجرّ صاحبها إلى انحرافاتٍ أعظم، حتى يُحرم نور الهداية والتمييز بين الحق والباطل.
من هنا، فإن إحياء قضية الإمام الحسين لا يكون بالحزن عليه فحسب، بل بمراجعة أنفسنا، ومحاسبة أعمالنا، والسير على نهجه في الإصلاح، والتمسك بالحق، ومجاهدة الهوى، وترك المعاصي صغيرها وكبيرها؛ لئلا تقودنا خطوات الشيطان إلى ما لا تُحمد عقباه.
سلامٌ على الحسين، يوم ولد، ويوم استشهد، ويوم يُبعث حيًا، وسلامٌ على نهضته التي أحيت الضمائر، وعلى رسالته التي ستبقى نورًا يهدي كل من أراد طريق الحق والإصلاح.


السلام عليك يا ابا عبدالله الحسين ع ❤️